مناسبة غزوة بدر

إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ،ونستهديه ونستغفره،ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له،ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يعز جنده ،ويؤيد أولياءه ، فقد قال في كتابه {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم: 47] وقال {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } [الصافات: 171 - 173]

وعد الله ، والله لا يخلف وعده ، والمؤمن إذ يسمع وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ؛ لابد وأن يتصور في أي ميدان يكون النصر ؟ أهو نصر المؤمن على نفسه وشيطانه ؟أم نصر المؤمن على أعدائه؟

كلمات القرآن لها إيحاءاتها ، وقلب المؤمن له استقبالاته ، وعقله له أفكاره .

وأشهد أن سيدنا وإمامنا محمداً عبد الله ورسوله إمام المجاهدين ، وقائد كتائب الإيمان واليقين ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ ورضي الله ـ تبارك وتعالى ـ عن آله وصحبه ،أؤلئك الذين جاهدوا في سبيل دينهم ، وضحوا بأموالهم وأرواحهم، ووصفهم الله في كتابه صفةً يعتزون بها ولا يميعونها ، لا يهربون منها ، يعلنونها على ملأ المشارق والمغارب {أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29]

صلوات الله وسلامه عليك يا رسول الله ، وعلى آلك وصحبك البررة الأطهار

وبعد ، فيا جماعة المسلمين

نحن الآن في قرب منتصف رمضان ، ورمضان نعلم جميعاً أنه شهر القرآن، شهر بعثة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، شهر العز والانتصار، رمضان شهر فريضة الصيام كذلك ،ورمضان بفريضته وبأحداثه له إيحاءات وله عطاءات ، فمن حيث أنه ظرف لفريضة الصيام فإن هذه الفريضة توحي أن رمضان ـ إن شئت قلت ـ رحلة إلهية، أو مدرسة إلهية يتربى فيها المسلم شهراً كاملاً ، يبدأ نهاره اللهم لوجهك صمت ، ويختم نهاره اللهم باسمك أفطرت ، وبين فطوره وصيامه تراه قائماً قانتاً يرتل كتاب الله ،أو تجده راكعاً ساجداً يسبح الله ،أو جالساً ذاكراً لله ممجداً لله ،أو ناشراً علم الله ، فهذا الشهر بذلك رحلة روحية يترفع فيها الإنسان عن المادية المظلمة إلى الروحانية الوضيئة ، مدرسة تجعل الإنسان يحس فيها بإنسانيته ، ويفتش عن الحياة اللائقة به ، ويدرك أن بدنه الذي أخذ كل جهده ما هو إلا مجرد وعاء، ما هو إلا مركب ، مركب لهذه الروح مركب للمبادئ والأخلاق، مركب لوصول كلمة الدين إلى مشارق الأرض ومغاربها ،ولكن الإنسان بروحه، الإنسان بقلبه ، الإنسان بمبادئه،

يأتي رمضان ليحرم علينا هذه الشهوات الضرورية في الحياة؛ ليشعرنا بذلك الدرس ؛وليعلمنا إنسانيتنا ، شهر رمضان الكريم ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وإنزال القرآن فيه ؛ يذكرنا بأنه ثورة للسماء على الأرض ، الأرض التي ظهر فيها الباطل وتبجح فيها الضلال ، الأرض التي انتشر فيها الزور والبهتان ،وأفسد الباطل على الناس عقولهم، أفسد عقولهم فأنكروا ربهم الذي خلقهم واتخذوا أوثاناً وأصناماً،أفسد على الناس عواطفهم الرحيمة فأصبحوا غلاظ الأكباد قساة القلوب يأخذون الحياة مادة ،عليها يتقاتلون ،وفي سبيلها يرتكبون كل مقبول وكل مرفوض ،فما لهم في الحياة إلا شهوات أبدانهم ، هذا الباطل غطى على الناس ، أفسد العقول ، أفسد العواطف ، غطى عليهم تصورهم، ملأ الأرض فساداً وجوراً ،وظلماً ،وفتناً ،ومشاكل ،وحروباً ، ومن هنا ثارت السماء ثورتها وبعثت نورها يبدد هذا الظلام، ويحق الحق ويبطل الباطل على علم وبصيرة فبعث محمداً صلى الله عليه وسلم {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ} [العلق: 1، 2]رمضان بأحداثه كذلك يذكرنا بأن هذه المبادئ ،وتلك القيم التي جاءت بها الشريعة وجاء بها محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن ؛ هذه المبادئ التي أقامت دولة لابد لها من قوة تحميها ، لابد لها من جيش يذود عنها ،ويحملها إلى بقاع العالم ، فكان الجهاد، وكانت فرضية الجهاد في رمضان ،ولما فرض الله الجهاد كان لابدأن يحفظه ممن يقولون عنه الطابور الخامس ، من المثبطين ، من المميعين ، من الذين ينشرون الضعف والخور واليأس والهوان في نفوس الناس ،وكم في القرآن من آيات تحمي المؤمنين من هذا الوباء وذلك الداء!

رمضان ـ أيها الأخوة المؤمنون ـ إذ يعايشه المسلم لابد وأن يعايشه مستلهماً ومتعلماً، وبذلك يحس عظمة هذا الشهر ، وعطاءه ،وإمداده ،أما أن يأخذه مجرد أيام تمضي ،وليال تمر وتتابع ،ويؤدي فيها عبادات بحركات بدنية دون تدبر أو تذكر فذلك ما لا يربي أمة،

أيها الأخوة المؤمنون، عما قريب يأتي السابع عشر من رمضان يذكرنا بغزوة بدر ،

من هم أبطال بدر ؟ إنهم رجال ،إنهم أصحاب رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ـ الذين عاشوا تحت وطأة الأذى والتعذيب ،والعنت والاضطهاد، والجوع والحرمان ثلاثة عشر عاماً في مكة، وما إن ارتحلوا وهاجروا في سبيل الله ؛ ما إن جاء العام الثاني حتى فُرض عليهم الجهاد ،وحتى سطروا الأمجاد التي يتغنى بها التاريخ ،

اعرضوا أنفسكم على رجال بدر أين أنتم منهم ؟ أين عملكم أين اتجاهكم أين ما سطرتم من عز وما صنعتم من أمجاد أين ما تفكرون فيه من هذا أو ذاك ، إن لم أعمل ـ على الأقل ـ أفكر ؛لأنني عضو في أمة إسلامية ، لها كيانها، ولها أعداؤها ،هؤلاء الأعداء لابد لهم من رجال يقفون في وجوههم ، ويصدون هجماتهم الغادرة، وإنكم ـ أيها الأخوة المؤمنون ـ                              لتدركون أن لكل دولة في العالم جيشاً وقوة عسكرية ، ووزارة تقوم بهذا العمل تسمى وزارة الدفاع، هذه الوزارة من أهم الوزارات وقد رصد لها أعلى الميزانيات وذلك أمر جميل وطيب ومقبول؛ لأنها للدفاع عن كيان الدولة وصيانة قيمها، للحفاظ على أرواحها وأموالها وأعراضها ،ورد الأعداء عنها ،وذلك أمر لا ينكره عاقل ، بل لابد من وجوده ،وإنكم ـ أيها الأخوة ـ كذلك تدركون وتعلمون أن هناك دولاً أعدت جيوشاً ، وهيأت قوى لا للدفاع عن نفسها ،ولكن لإذلال غيرها ، ولإخضاع غيرها إلى ما تمليه أهواؤها  صنعت جيوشاً لتجعل غيرها منزوعة من أسلحتها، ومع ذلك لا اعتراض عليهم ،ولا غضب عليهم ، ولكن هناك أمر يغضب له الكثيرون – أن يقال إن للجهاد الإسلامي جيشاً ... لماذا ؟  لماذا كلمة الجيش ،وكلمة القوة، وكلمة الحرب مقبولة، وتردد صباح مساء ، وكلمة الجهاد كأنها الحمى ،كأنها المرض ،كأنها الداء لماذا ؟ حدثوني . ما هذه الحساسية ضد كلمة الجهاد؟ إذا كان أعداء الإسلام يرفضون هذه الكلمة ويحاربونها بكل ما أوتوا من قوة ؛لأنهم يعلمون فاعليتها؛ لأنها كلمة قرآنية ( وجاهدوا في سبيل الله ) لم يقل حاربوا ، ولكن قال جاهدوا ؛لأن كلمة جاهدوا كلمة تحمل من المبادئ الكريمة ،والأخلاق الفاضلة ما لم تحمله كلمة الحرب،

الجهاد لا يكون ظلماً أبداً ، الجهاد لا يكون عدواناً أبداً ، الجهاد لا يكون لمآرب شخصية ،ولا لأغراض ذاتية ،ولا لأهداف توسعية ،ولكن جهاد في سبيل الله، تبغض هذه الكلمة وتحارب هذه الكلمة.

وليس غريباً أن يحاربها أعداء الإسلام، ولكن هناك ألسنة مُغَرّبة، وعقولاً مستعمرة ،وأفكاراً مستأجرة ، هناك ثقافات صنعها الغرب، وتلقاها بعض أبناء المسلمين بكل ثقة دون أن يتعرف حقيقتها، وأن يتبصر أهدافها، فجعل نفسه بوقاً يردد ما يردده أعداء الإسلام، وأصبح يكره كذلك كلمة الجهاد ، لماذا ؟ دا أنا إذ أقول كلمة حرب – الحرب دا يعني استعمل في القرآن حتى  ( يحاربون الله ورسوله ) استعملت للقتال الظالم ، للقتال الضال وإنما كلمة الجهاد استعملت للحق ـ استعملت للمبادئ التي أرساها ،والتي كلفنا بها الذي خلق الخلق جميعاً.

 ألا يستحي أي مثقف ،أو أي إنسان أن يصادم كلمة قالها الله ،وأن يفضل كلمته على كلمة القرآن ،ويكره كلمة الجهاد ، ولكن لا تعجبوا ـ أيها الأخوة ـ كلمة الجهاد مكروهة؛ لأنها لا تكون إلا من أحباب الله وأوليائه ، لا تكون إلا من المسلمين، من أصحاب الحق ضد أصحاب الباطل ،وأصحاب الباطل يرى الكثيرون أنه لا أحد يقف في طريقهم ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

نسأل الله ونحن في رمضان أن يصحح أفهامنا ،وأن يعلمنا الحق ،وأن يرزقنا اتباعه.

الإسلام ـ أيها الإخوة ـ دين الدعوة والبيان، دين الحجة والبرهان ،دين العدل والمساواة والتعمير والبناء، دين الأمن والآمان جاء ؛لينشر السلام والعدل والخير والجمال في ربوع العالم بصرف النظر عن اللغة، أو عن الجنس ،أو حتى عن العقيدة جاء ...............

للاستماع إلى المزيدِ حولَ غزوة بدر:

اضغط هنا

 

البحث في الموقع

 

 

السيرة الذاتيــة

خطب الشيـــخ

دروس التفسير

من كلمات الشيخ

مـــناســــبات

الرئيسية

مرئيات

قالوا عن الشيخ

ألبوم الصور

اتصل بنا

مواقع مهمة

موقع الشيخ الشعرواي

موقع الشيخ محمد الغزالي

موقع الشيخ عبد الله دراز

موقع الشيخ عطية صقر

جميع الحقوق محفوظة لموقع الشيخ توفيق سرور رحمه االله 2015 - 2026         تصميم وتطوير شركة أيزوتك